اسماعيل بن محمد القونوي

324

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

عليه السلام من هذه الجهة فإن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علما ولم يشاهد عالما مع شهرة ذلك فيما بينهم ثم نطق بأسماء الحروف وذلك لا يكون إلا وحيا من اللّه تعالى فلا وجه للإشكال بأنه يمكن تعلم أسماء الحروف كلها ولو بسماع من صبي في أقصر مدة فليس بالنطق بها استغراب وإعجاز على أنه لم ينقل ذلك الإشكال من المشركين ولو بطريق التعصب فلا يناسب إيراده من أهل اليقين وما نقل عنهم فقد رده اللّه تعالى بقوله : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [ النحل : 103 ] . قيل عليه إذا عطف قوله وليكون أول الخ عطفا على إيقاظا تعلق بافتتحت وسببية عنصرية المسميات للكلام للافتتاح المعلل بكون أول ما يقرع الأسماع مستقلا بنوع من الإعجاز غير ظاهرة فالأولى في التقرير أن يقال وعليه كون أول ما يقرع الأسماع مستقلا بنوع من الإعجاز للافتتاح المعلل بمدخول لما غير واضحة وجوابه أن عنصريتها للكلام يستند في تقديمها فناسبه أن يكون ذكر أساميها المستقلة بنوع من الإعجاز أول ما يقرع الأسماع فالعلة علة مصححة لا موجبة . قوله : ( كالكتابة والتلاوة ) أي مثل الكتابة فإنها مستغربة من الأمي خارق للعادة فالكتابة إن وقعت منه عليه السلام فلا كلام في التشبيه وإلا كما هو المشهور فالغرض مجرد بيان الاستغراب فلا يجب وجود المشبه به وسيجيء فيه كلام في قوله تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [ العنكبوت : 29 ] . فإن هذه الأسامي مشتملة على فوائد يستحيل أن يتلفظ بها أمي إلا من جهة الوحي منها أنها نصف أسامي الحروف في تسع وعشرين سورة على عدد الحروف ومنها اشتمالها على أنصاف أجناس الحروف ومنها أن الحروف الغير المذكورة مغلوبة بالمذكورة ومنها أن من الحروف المذكورة ما أكثر وقوعا في كلام العرب أكثر وقوعا في فواتح السور إلى هنا كلامه فحاصل الجواب أن المستغرب ليس مجرد النطق بها بل مع الكيفية المشار إليه بقوله واعلم أنك إذا تأملت الخ . ورد هذا الجواب مولانا سعد الدين رحمه اللّه بأن قال وفيه نظر أما أولا فلأن كلام المصنف صريح في أن المستغرب نفس المتكلم بأسامي الحروف مع اشتهار عدم الأخذ والتعلم وأما ثانيا فلان كون النطق بها مع الكيفية المخصوصة مما لا يتفطن له من حذاق العلماء إلا واحد بعد واحد بل ربما لم يخطر إلى زمن صاحب الكشاف أو من أخذه هو منه ببال أحد من السامعين فكيف يكون أول ما يقرع الأسماع مستقلا بوجه من الأغراب وتقدمه من امارات الإعجاز وأما ثالثا فلأن المقصود بيان وجه وقوع هذه الألفاظ بالنظر إلى كل سورة مصدرة بها لظهور أن ليس ذلك بالنظر إلى جميع القرآن أول ما يقرع الأسماع ولا بالنظر إلى أول سورة نزلت وما ذكرتم أنها تظهر بعد تمام نزول القرآن والتأمل في جميع الفواتح وأما رابعا فلأن قوله واعلم الخ . مسوق لزيادة تحقيق وتقرير ونصرة وتقوية للوجه الثاني الذي استحسنه ألا ترى أنه جعل نتيجة المقدمات أن اللّه تعالى كأنه عدد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم تبكيتا وإلزاما وتنبيها على أن المتحدى به مؤلف منها لا غير فلا معنى لوجه اختصاصه بالمعنى الثالث . إلى هنا كلامه ثم اقتفى الشريف الجرجاني رحمه اللّه في حواشيه في تقرير وجوه التزييفات المذكورة أثر مولانا السعد التفتازاني تغمده اللّه بغفرانه .